- الاغتيالات الإسرائيلية تكشف عن فشل استراتيجي أعمق في الميدان..

الأحد, 29-مارس-2026
صعدة برس - متابعات -
*اجمد زبيبة
بينما تظلّ الرياض محاصرة بين ضغوط واشنطن وتهديدات صنعاء، يبقى السؤال "هل يمتلك المجتمع الدولي الجرأة لمنع هيروشيما جديدة في حال قرّرت "إسرائيل" الانتحار نووياً؟

يشهد الشرق الأوسط مرحلة هي الأكثر تعقيداً في تاريخه الحديث، حيث يتحوّل العدوان الأميركي - الإسرائيلي المباشر على إيران ومحورها إلى حرب استنزاف كبرى، وفي قلب هذا المشهد، تبرز مفارقة لافتة كلما زادت وتيرة الاغتيالات الإسرائيلية، تكشف الواقع عن فشل استراتيجي أعمق في تحقيق أهداف الحرب الميدانية.

لطالما كانت سياسة الاغتيالات هي الملاذ الأخير والسلاح الوحيد لـ "إسرائيل" بعدما ضاقت أمامها الخيارات العسكرية الميدانية، وعجزت عن تحقيق نصر استراتيجي حقيقي، لقد ركّز المخطط الأميركي الإسرائيلي في الآونة الأخيرة على استهداف النخبة الفكرية والعسكرية في إيران، وهي الشخصيات الأكثر تأثيراً وقدرة على تغيير واقع الحرب وصناعة معادلات الردع، لم تكن هذه العمليات مجرّد تصفية جسدية، بل كانت محاولة بائسة لضرب العقل المدبّر الذي يدير غرفة العمليات المشتركة للمحور، ظناً من الاحتلال أن تغييب هذه الرموز سيؤدّي إلى انهيار منظومة القيادة والسيطرة.

البناء المؤسسي لمحور المقاومة أقوى من أن يترنّح بغياب فرد مهما كان وزنه. ​ورغم فداحة الضربات التي استهدفت قيادات وشخصيات محورية وتاريخية في طهران والمنطقة وعلى رأسها السيد الشهيد علي خامنئي قائد الثورة الإسلامية في إيران وصولاً الى استهداف أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني السيد علي لاريجاني مؤخّراً، إلّا أنّ النتيجة جاءت مخيّبة لآمال واشنطن و"تل أبيب"، فقد كشف الواقع أنّ البناء المؤسسي للمحور أقوى من أن يترنّح بغياب فرد، مهما كان وزنه، فبدلاً من التراجع، رأينا تصاعداً في وتيرة العمليات، وحضوراً أقوى لإيران عبر ضربات مسدّدة طالت العمق الإسرائيلي الاستراتيجي والقواعد الأميركية المنتشرة في الخليج.

​هذا الثبات أثبت للقاصي والداني أنّ الهيكل العسكري والمخطّط الإيراني لا يستند إلى أفراد بقدر ما يستند إلى استراتيجية النفس الطويل والعقيدة القتالية الراسخة، لقد فشلت "إسرائيل" في تقدير القدرة على التعافي السريع لدى الخصم، حيث تحوّلت دماء المستهدفين إلى وقود جديد زاد من إصرار طهران على إفشال المخططات الإسرائيلية الأميركية، وأكّد أنّ رهان كسر الإرادة أو تقليص النفوذ عبر الاغتيالات الجبانة قد سقط أمام صخرة الصمود والمواجهة الميدانية المباشرة.

خطر التصعيد غير التقليدي قائم وبقوة
تتمحور المخاوف الحقيقية اليوم حول لحظة اليأس، فعندما شعرت الولايات المتحدة بصعوبة حسم الحرب مع اليابان في أربعينيات القرن الماضي، اتجهت فوراً للخيار النووي، وبالنظر إلى أنّ "إسرائيل" تعتبر حربها الحالية حرباً وجودية، فإنّ احتمال لجوئها للسلاح النووي ضدّ إيران يظلّ وارداً في حال استمر التفوّق الإيراني الميداني، فبالنسبة للاحتلال التراجع يعني الزوال، وهذا ما يجعل خطر التصعيد غير التقليدي قائماً وبقوة.

دول الخليج محاصرة بين ضغوط واشنطن وتهديدات صنعاء
​فيما يخصّ دول الخليج، وتحديداً السعودية، نجد مشهداً يتسم بالحذر الشديد؛ أولاً النأي بالنفس، فرغم الضربات الإيرانية ترفض الرياض حتى الآن الانجرار لمواجهة مباشرة، مدركة أنّ دخول مستنقع الحرب سيعني دمار اقتصادها وأمنها وهي تدرك فعلياً أنّ هذه الضربات لا تستهدفها مباشرة بل تستهدف الوجود الأميركي، وهو ما أكّدته طهران مرارا وتكرارا . ثانياً الضغوط الأميركية، فالرياض تتعرّض لضغوط كبرى من واشنطن لتكون جزءاً من جبهة الحرب، لكنها تدرك أنّ الحماية الأميركية لم تعد شيكاً على بياض.

وفي هذه الحرب ​يبرز اليمن كلاعب فوق العادة في ساحة المواجهة، فالسعودية تخشى بوضوح اليد الحديدية لصنعاء التي أثبتت كفاءة غير مسبوقة في تطوير الصواريخ الفرط صوتية القادرة على اختراق أعتى المنظومات الدفاعية والوصول لعمق الأراضي المحتلة، وكذلك فرض معادلة بحرية أجبرت القوى الكبرى وعلى رأسها أميركا على مراجعة حساباتها، وصولاً إلى تفاهمات واتفاقات تعكس فشل الخيار العسكري ضدّ صنعاء.

​تحاول السعودية حالياً استخدام ورقة الجبهة الداخلية في اليمن عبر إعادة ترتيب القوات في المحافظات اليمنية الجنوبية وتحييد المجلس الانتقالي المدعوم إماراتياً لصالح قوة موحّدة، بهدف إشغال صنعاء داخلياً.

ومع ذلك، يبدو هذا الرهان محفوفاً بالمخاطر، فقرار صنعاء كان حازماً ومن وقت مبكر "أيّ تحريك وتصعيد للجبهة الداخلية سيقابله ردّ صاروخي مباشر في العمق السعودي".

​إنّ موازين القوى لم تعد تميل لصالح التفوّق التكنولوجي الأميركي الإسرائيلي التقليدي، لقد استطاعت إيران وحلفاؤها، وتحديداً في اليمن، خلق حالة من الردع الشامل، وبينما تظلّ الرياض محاصرة بين ضغوط واشنطن وتهديدات صنعاء، يبقى السؤال "هل يمتلك المجتمع الدولي الجرأة لمنع هيروشيما جديدة في حال قرّرت "إسرائيل" الانتحار نووياً؟ .
تمت طباعة الخبر في: الأحد, 29-مارس-2026 الساعة: 09:50 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: https://www.saadahpress.net/news/news-50900.htm